ماذا يحدث عن فقدان الثقة في المستقبل ؟

السلام عليكم و رحمة الله و بركاته

هذه القصة برمتها ،أقتبسها من كتاب فيكتور إيميل فرانكل، الذي هو بعنوان الإنسان يبحث عن المعنى ،وفي هذا الكتاب ،سرد الكاتب مجموعة من القصص كان قد عاشها في السجون الألمانية ،فهو أحد الناجين من المحرقة ،من هذه القصص ما ستقرأه في السطور القادمة .

يقول فيكتور فرانكل :

إن السجين الذي فقد ثقته في مستقبله ،وفي المستقبل عامة ،يكون قد حكم على نفسه بالفناء ،وهو ،مع فقدانه لثقة في المستقبل ،يفقد تماسكه المعنوي ،ويكون بذلك قد ترك نفسه لتدهور ،وأصبح عرضة للانهيار العقلي و الجسمي ،وعادة ما كان ذلك يحدث فجأة، وفي شكل أزمة ،أعراضها مألوفة لنزلاء المعسكر أصحاب الخبرة ،وإننا لنخشى هذه الحالة ،ليس من أجل ذواتنا إذ لا يكون لهذا أي مغزى أو معنى ،ولكن من أجل أصدقائنا ،كانت تبدأ هذه الأزمة عادة مع السجين برفضه في صباح أحد الأيام أن يرتدي ملابسه أو يغتسل أو يخرج إلى أرض استعراض طوابير المسجونين ،ولم يكن للتوسلات ولا لتهديدات أي تأثير ،يستلقي هنا على الأرض ،دون أي حراك ،وإذا كانت هذه الأزمة ترجع إلى مرض ما ،فإنه يرفض أن يؤخذ إلى قسم المرضى و يرفض أن تقدم له المعونة و المساعدة ،فهو بكل بساطة يعلن رفضه و يأسه،ويبقى مستلقياً حيث هو وسط مايفرزه جسمه من عرق وبول و غير ذلك ،ويظل هكذا فلا يوجد ما يقلقه ويحيره.

وقد حدث في أحد المرات أن عشت مشهداً درامياً للحلقة التي تربط ربطاً متيناً بين فقدان الثقة في المستقبل و هذا الرفض الخطير ،فقد أفضى إلي ذات يوم رئيس الجناح – وهو من المساجين-،و هو مؤلف و ملحن ذائع الصيت،قال:يا دكتور ،أود أن أخبرك بشيء ،لقد عشت حلماً غريباً ،فثمة صوت أخبرني بأني أستطيع أن أتمنى شيئاً، و بأنه علي ألا أقول إلا ما أود أن أعرفه ،وبأن أسئلتي سوف تجاب،فماذا تعتقد أني طلبت ؟ طلبت أن أعرف متى ستنتهي الحرب بالنسبة لي، أنت تعرف يا دكتور ماذا أعني بكلمة بالنسبة لي ، أردت أن آعرف متى سيتم الإفراج عنا و عن معسكرنا، و متى توضع نهاية لآلامنا ومعاناتنا ، سألت و متى راودك الحلم ؟ ، أجاب في فبراير عام ١٩٤٥ ، – و قد كنا وقتئذ في بداية شهر مارس –

سألته : و بماذا أجاب الصوت في الحلم ؟  ، فهمس في أذني كما لو كان يفضي إلي بسر خطير : الثلاثين من مارس ،

حينما روى لي رئيس الجناح حلمه هذا ،كان لا يزال مفعماً بالأمل و مقتنعاً بأن صوت حلمه حقيقي ،ولكن كلما اقترب اليوم الموعود ،حملت إلينا أخبار الحرب مما وصل إلى المعسكر بما لا نريد، فبدا واضحاً أنه من غير المحتمل اطلاقاً أن يتم الإفراج عنا في ذلك التاريخ المرتقب ، وفي اليوم التاسع و العشرين من شهر مارس ، صار رئيس الجناح مريضاً على حين غفلة ، و ارتفعت حرارة جسمه ، وفي الثلاثين من مارس، و هو يوم النبؤة بأن فيه سوف تنتهي الحرب و تتوقف الآلام بالنسبة له، أصابته الحمى و ألم به الهذيان،وفقد الوعي ، ثم مات في اليوم الحادي و الثلاثين من مارس ، وكانت الدلائل الظاهرة كلها تدل على أنه لقي حتفه من مرض التيفوس . – انتهى كلامه- .

فأقول:كم من أحياءٍ بيننا ،أموات .