بث العلم

بسم الله الرحمن الرحيم

وصلى الله وسلم على أزكى البرية ومعلم البشرية, محمد بن عبدالله وعلى اله وصحبه ومن اقتفاه, وبعد:

عن ابن مسعودٍ رضى الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: لا حسد إلا في اثنتين, وذكر منها ( ورجلٌ آتاه الله الحِكمة، فهو يقضي بها ويعلمها) والحديث متفق عليه.

وجاء الحسد هنا بمنعى الغبطة, فالحسد والغبطة يشتركان في تمني النعمة ويختلف الحسد في تمني زوال النعمة من المحسود.

والمقصود بالحكمة هنا, العلم فالعلم أنفع من الأعمال الصالحة, لأنه إذا مات وانتفع الناس بعلمه جرى ذلك عليه إلى يوم القيامة, كلما انتفع به أي إنسان فله أجر.الشيخ ابن عثيمين في شرح كتاب رياض الصالحين(ج5/ص424)

وعن أبي هريرة رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: “إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاث: إلا من صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له” أخرجه مسلم وصححه الألباني في صحيح الجامع الصغير (ص199)

وأجاب الشيخ عبدالعزيز بن باز رحمه الله على سائل يسأل شرح هذا الحديث فقال: “هذا الحديث من أوضح الواضحات لا يحتاج إلى شرح”, حتى قال: “(أو علم ينتفع به)، إما كتب ألفها، وانتفع بها الناس، أو اشتراها، ووقفها وانتفع بها الناس من كتب الإسلامية النافعة، أو نشره بين الناس وانتفع به المسلمون وتعلموا منه، وتعلم بقية الناس من تلاميذه، فهذا علم ينفعه، فإن العلم الذي مع تلاميذه، ونشره بين الناس ينفعه الله به أيضاً كما ينفعهم أيضاً”.

وفي هذا, عن أبي مسعود عقبة بن عمرو بن ثعلبة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “من دل على خير فله مثل أجر فاعله” أخرجه مسلم في صحيحه( حديث رقم1893).

وأيضا حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه لا ينقص ذلك من أجورهم شيئاً، ومن دعا إلى ضلالة كان عليه من الإثم مثل آثام من تبعه لا ينقص ذلك من آثامهم شيئاً. أخرجه مسلم(حديث رقم2674)

قال تعالى: {كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَامُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ}(اَل عمران110)

وكما روى ابن كثير في تفسيره في تفسير هذه الآية اَنفه الذكر, قال قتادة : بلغنا أن عمر بن الخطاب [ رضي الله عنه ] في حجة حجها رأى من الناس سرعة فقرأ هذه الآية : ( كنتم خير أمة أخرجت للناس ) ثم قال : من سره أن يكون من تلك الأمة فليؤد شرط الله فيها . رواه ابن جرير

ولنؤد شروط هذه الآية وجب معرفة ماهو المعروف, المَعْرُوفُ : اسمٌ لكلِّ فِعْلٍ يُعْرَفَ حُسْنُه بالعَقْل أَو الشَّرْع ، وهو خِلافُ المنكَر, كما جاء في معجم المعاني.

وكم ينال معلم الناس الخير من الثواب والجزاء ففي الحديث, عن أبي أمامة الباهلي رضي الله عنه قال : ” ذكر لرسول الله صلى الله عليه وسلم رجلان أحدهما عابد والآخر عالم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (فضل العالم على العابد كفضلي على أدناكم ) ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إن الله وملائكته وأهل السماوات والأرض حتى النملة في جحرها وحتى الحوت ليصلون على معلم الناس الخير ) . رواه الترمذي وقال حسن غريب قال الشيخ الألباني: ( حسن ) أنظر: مشكاة المصابيح (ج1/ص46) وصحيح الترغيب والترهيب(ج1/ص19)

والصلاة هنا بمعنى الاستغفار كما في جاء في فيض القدير شرح الجامع الصغير (ج4 /ص432), ويظهر جلياً في هذا الحديث فضل العالم على العابد, إذ أن الأول ذا نفع قاصر, أما الثاني فذو نفع متعدي, وبهذا حاز التفضيل والرفعة والمغفرة.

وقال عبدالله بن المبارك رحمه الله:لا أعلم بعد النبوة أفضل من بث العلم.(سير أعلام النبلاء (٨/ ٣٨٧))
فليس يعد هذا التشريف تشريف ولا بعد هذا التكريم تكريم, فالموفق من وفقه الله لتعلم ثم وفقه لنشر العلم, فقد حاز من الدنيا ما يحوزه العلماء, وادخر لأخراه أجورا قد تجري له حتى بعد مماته, فمن حاز الفضلين فهو الموفق ومن حرمها فقد خذل.

فهذي أقوال جمعتها أستحث بها الهمم, وأشد بها على العزائم, ليشارك كل ذو عِلم ما عَلم.

وفق الله الجميع.


*ج :لرقم الجزء, ص: لرقم الصفحة

اترك تعليقاً