مقتطفات من كتاب الأخلاق والسير لابن حزم

بسم الله الرحمن الرحيم

فهذه مقتطفات جمعتها من كتاب أبي محمد, علي بن احمد بن حزم, الأخلاق والسير أو رسالة في مداواة النفوس وتهذيب الأخلاق والزهد في الرذائل, فحوى الكتاب تأملات ابن حزم, وخلاصه تجاربه رأى أن يجمعها في صفحات, وقد ذكر هذا في طره الكتاب.
ومما دفعني للحديث عنه, والاقتباس منه, كثرة ما ذكر الأمور التي أشد ما تراها انتشاراً في زماننا هذا, ولا شك أن ذلك من الفضل الذي حباه الله لمن صلح من عباده.

وهنا سنذكر المقتطافات ونعلق على تيسر منها.

من شغل نفسه بأدنى العلوم وترك أعلاها – وهو قادر عليه – كمن زرع الذرة في الأرض التي يجود فيها البر، وكغارس الشغراء حيث تزكوا النخل والزيتون. ص٨٨

نشر العلم عند من ليس من أهله مفسد لهم، كإطعامك العسل والحلواء من به احتراق وحمى، أو كتشميمك المسك والعنبر، لمن به صداع من احتداء الصفراء.
قال البخاري في صحيحه: باب: من خص بالعلم قوما دون قوم كراهية أن لا يفهموا
وروى مسلم في المقدمة، عن ابن مسعود – رضي الله عنه – قال: ما أنت بمحدث قوما حديثا لا تبلغه عقولهم، ألا كان لبعهضم فتنه. ص٨٨

الباخل بالعلم الألم من الباخل بالمال، لأن الباخل بالمال أشفق من فناء ما بيده، والباخل بالعلم بخل بما لا يفنى على النفقه ولا يفارقه من البذل.     ص٨٩

وهذا وللإسف رأيته كثيراً في محاضن طلب العلم, قبل أماكن العمل, يشق على فئة من الناس نشر ما حباه الله من المعرفة, بل وحين يكون لابد من ذلك, تخرج منه المعلومة في أسوأ صورها حتى لا يكاد المتلقي يدرك ماقاله.

من مال بطبعه إلى علم ما – وإن كان أدنى من غيره – فلا يشغلها بسواه، فيكون كغارس النارجيل بالأندلس، وكغارس الزيتون بالهند، وكل ذلك لا ينجب. ص٨٩

وفي هذا قرأت الكثير من الكتب التي تحض على ذات المعنى, ورأيت الكثير ممن ضاع جهده, وتشتت تعبه, يرتمي بين العلوم المختلفة ما حاز منها إلا القشور, فالكيس العاقل من انكب على علم فتميز به, وعلم من كل علم مالا يسعه جهله.

لا آفة أضر على العلوم وأهلها من الدخلاء فيها، وهم من غير أهلها، فإنهم يجهلون ويظنون أنهم يعلمون، ويفسدون ويقدرون أنهم يصلحون ص٩١

ولا شك أن المبصر قبل الكفيف قد رأى هؤلاء, إن جاء في أمور الدين, تصدر للفتيا, وإذا أقبلت السياسة كان الملم المدرك, وهلم جراً على سائر الأمور, وما ضره لو سكت, أو قال لا أعلم حين يسأل, فقد وقال مالك عن القاسم بن محمد إن من إكرام المرء لنفسه أن لا يقول إلا ما أحاط به علمه, وقال مالك:من فقه العالم أن يقول لا أعلم, ولاشك أنها في أمور الدين أشد بلاءً, فقد قال الله عز وجل: وَلاَ تَقُولُواْ لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلاَلٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِّتَفْتَرُواْ عَلَى اللّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللّهِ الْكَذِبَ لاَ يُفْلِحُونَ {النحل:116}.

احرص على توصف بسلامة الجانب، تحفظ من أن توصف بالدهاء، فيكثر المتحفظون منك، حتى ربما أضر ذلك بك وربما قتلك. ص٩٥

لا تجب عن كلام نقل إليك عن قائل حتى توقن أنه قاله، فإن من نقل إليك كذبا رجع من عندك بحق. ص١٠٠

 

إهمال ساعة يفسد رياضة سنة. ص١٠٦

وقد يكون العجب لغير معنى، ولغير فضيلة في المعجب وهذا من عجيب ما يقع في هذا الباب، وهو شيء تسميه عامتنا المتميزل وكثيرا ما نراه في النساء، وفي من عقله قريب من عقولهن من الرجال. ص١٦٩

وهذا والله من عجيب ما قرأت من كلام ابن حزم, لانطباقه على عدد ممن عرفت, فتراه قد أخذ منه العجب كل مأخذ, ولو استبصر لوجد أن ما حازه لا يبلغ به هذا المبلغ.

كم رأينا من فاخر بما عنده من المتاع كان ذلك سببا لهلاكه فإياك وهذا الباب الذي هو ضر محض، لا منفعه فيه ص١٧٨

لولا أن ابن حزم توفي سنة 456 هجرية, لحسبت أنه قالها في من يشارك أمور حياته على مواقع التواصل.

وقد صح عن الحسن أنه سمع إنسانا يقول: لا يجب أن ينهى عن الشر إلا من لا يفعله، فقال الحسن ود إبليس أنه يظفر منا بهذه، حتى لا ينهى أحد عن منكر ولا يأمر بمعروف ص١٩٧

وفي هذا ردٌ بليغ على من يرد من ينكر عليه, أو يأمره بمعروف بعبارات كابدأ بنفسك, أو انظر لمن حولك أخ أو أخت, أب أو أم, فقد حاز القائل جهلين, جهل عمل المعصية, وجهل بأمور الدين, وفئة أخرى يرون أن إنكار المنكر والأمر بالمعروف من اللقافة!, وحسبنا في الرد على من قال مثل هذه المقالة, هاتين الآيتين, قال تعالى: كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ. {ال عمران:110}, وقال تعالى:وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ ۚ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ. {ال عمران:104}.

ختاماً, لازال في صفحات الكتاب الكثير, وهو من الكتب المفيدة الممتعة, فمن تيسر له قراءته فذلك ولاشك خيرٌ بإذن الله.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

اترك تعليقاً